﴾﴾
خلفية الإصحاح السادس لكتاب يوحنا
إن هذا الإصحاح يبدأ بأجمل وأروع طريقة وينتهي بكلمات حزن حقيقية.
إنه يبدأ بآلاف الناس – خمسة آلاف رجل بالإضافة للنساء والأطفال- كلهم بحضرة
الرب مستعدين لتتويجه ملكاً. وينتهي هذا الإصحاح بتركهم له كلهم وبقاء إثنا
عشر تلميذاً وواحد منهم يخدم الشيطان. ليس كل ما يبدأ بشكل جيد ينتهي بنفس
الطريقة. إن الكل يعتمد على كيفية تجاوب الناس مع كلمة الله والروح القدس ومع
يسوع المسيح نفسه. إن الإصحاح نفسه ينتهي بمعجزة شفاء عظيمة.
يسوع يقول " أنا
إن هذا النص الذي أقرأه لكم هو لُبُّ هذا الإصحاح، لأن له صلة بخبز الحياة.
إنه يحتوي على واحد من ال " أنا هو " السبعة العظيمة المذكورة في
إنجيل يوحنا، حيث يُضيف يسوع في كل مرة تنبؤ معين. فهُنا يقول " أنا هو
خبز الحياة "
إنه يستخدم هذا التعبير " أنا هو" سبعة مرّات، وهو يستعملها بمعناها
المُطلق. ففي ذلك الوقت كان استخدام هذا التعبير يُعَدّّ كُفْراً، لأن الله
وحده يقول عن نفسه " أنا هو ". I AM، ويسوع يستخدمها كما يستخدمها
الآب والسماء تُمَجّدُ ذلك.
إن هذه هي المرة الأولى يستخدم فيها هذا التعبير " أنا هو ". "
أنا هو خبز الحياة " أو " أنا هو الراعي الصالح" أو "
أنا هو الطريق إلى الحظيرة" أو " أنا هو القيامة والحياة" أو
" أنا هو نور العالم" وغيره.
وليمة الفِصْح
في خلفية هذا الإصحاح نجد وليمة الفصح. وفي خلفية كل من الإصحاح الخامس إلى
الإصحاح العاشر نرى الاحتفالات اليهودية العظيمة والأيام المُقَدّسة والمراسِم
الدينية.
هذه وليمة عيد الفصح. إن كل ما يعنيه عيد الفصح لليهود سوف يظهر في المحادثات
والتعاليم والمناقشات والنزاعات التي تحدث في هذا الإصحاح. هنا في بدء الإصحاح
يقوم يسوع بمعجزة "الإطعام العظيمة". يوجد لهذه المعجزة مغزى أخلاقي
وإظهار كبير لمقدرة يسوع العظيمة وقوته لإعطاء حياة وتقديم الخبز وليكون حياة
لكل من يستقبله.
المبدأ التعليمي للأرغفة الثلاثة
في هذا الإصحاح ذِكر لمبدأ الأرغفة الثلاثة. هناك ذِكر لخبز الفطير الذي تم
عمله في يوم خلاص وخروج اليهود من أرض مصر.
وهناك أيضاً ذِكر للمنّ الذي نزل من السماء في البرية وأطعم كل شعب إسرائيل
لوقت طويل. وهذا أيضاً مغزى للناس.
وهناك أيضاً ذِكر لخبز المستقبل الذي سوف يؤكل في وليمة المسيح العظيمة في
اليوم الأخير. إننا ننظر إليه كعشاء زفاف الحمل.
وهنا في الإصحاح السادس، وبالرغم من أن يوحنا لا يقول الكثير عن العشاء الرباني،
فإنه يُشَكّل الأساس اللاهوتي كله على العشاء الرباني وهو عملية كسر الخبز
والشرب من ثمر الكَرْمة.
الهدف من إنجيل يوحنا
إن هذا الإصحاح يعطينا الهدف من وراء كتابة إنجيل يوحنا كله، لأنه يُعْلِمُنا
عما سيحدث في عيد الفصح. إن جميع الأعياد اليهودية مُتَمَّمَة بيسوع المسيح،
لأن كل ما كان اليهود يأملون به وُجِدَ من خلاله.
إن فيه الحياة والأمل وهو مركز كل عبادة- ليس فقط لليهود، بل للعالم بأجمعه.
ومع أن يوحنا يكتب عن الأوقات التي تمّ فيها تدمير الهيكل وأصبح الدين اليهودي
مهزوزاً، إلا أنه يريد القول لليهود وللعالم " لا تخافوا لأن الهيكل قد
تحطّم".
وكأن يوحنا يقول " لا تقلقوا لأن طقوسكم وقوانينكم الدينية قد انتهت.
لا تقلقوا لأن كل نظامكم في خطر. لأن يسوع المسيح قد وقف في وسط مسرح كل الأزمنة
، وفيه النقطة المركزية لما يعمله الله الآن في جميع العالم. إن الإنسان لم
يخسر شيء بخسرانه المعبد لأننا نقدر أن نعبد يسوع المسيح الذي هو خبز الحياة
النازل من السماء. هللويا!
من المؤكد أن قراءة اليهود وباقي الشعوب لهذه الرسالة المثيرة لأوّل مرة قد
شكّل لهم ارتياح كبير. ومع أن تدمير الهيكل في القدس قد شتّتَ كهنة اللاويين
في كل أنحاء الأرض، إلا أنه كلما اجتمع اثنان أو ثلاثة وسط الضيق للعبادة باسم
المسيح فإن الروح يكون بينهم.
إطعام الجموع
إن معجزة الإطعام هي عرض رائع يرمز إلى أن يسوع في الحقيقة يمنح حياة، لأنه
هو خبز الحياة الروحي الآتي من فوق. لننظر إلى هذه المعجزة لبعض الوقت
موقف التلاميذ
كان اليوم في نهايته وكان المكان معزول. وهذا يُظْهِر الموقف حالة طارئة. إن
موقف التلاميذ يَظْهَر في قولهم " إصرف الجموع بعيداً لأننا لا نستطيع
عمل أي شيء لهم". إنها حالة مُحزنة عندما تكون الكنيسة في حالة طارئة
فتُرْسِل الناس فارغين الأيدي والقلوب قائلين " لا نستطيع عمل أي شيء
لكم".
إمتحان فيلِبُس
ثم نرى هنا إمتحان فيلبُّس. إن يسوع علم ما كان سيعمل فليبُّس ، ومع ذلك قال
" من أين سوف نشتري خبزاً لنُطعم كل هؤلاء الناس؟" فقال فيلبُس "
إن هذه المئتي درهم لن تكفي لإطعامهم إطلاقاً ". إن فيلبُس قد حلَّلَ
المسألة من مُنطلق عقلٍ بشري.
أتعلمون أن هناك العديد من الناس الذين يعملون بنفس الطريقة فيما يختص بالكتاب
المقدس والكنيسة والروح القدس؟! إنهم يعتقدون أنهم سوف يؤمنون إذا استطاعوا
فقط تفسير وتحليل واستيعاب هذه الأمور. ولكن أريد أن أقول لكم: إن الله يستطيع
عمل أموراً كثيرة دون أن نقدر نحن على فهمها أو استيعابها.
لا تحتاجُ إلى فهم موضوع الخلاص لتخلُص. إن كل ما تحتاج عمله هو أن تؤمن بيسوع
المسيح فتخلص. لستَ بحاجة إلى فهم كل ما يختص بالروح القدس وبعطايا الروح لتستلمه.
تستطيع أن تستلم معمودية وعطايا الروح القدس دون أن فهم أو إدراك لعمل الروح.
لا يحتاج الأمر إلى قدرات فهم واستيعاب بشري لإدراك عمل الله. فلا تهتم أو
تقلق لفهم كل شيء.
العديد من الناس سيُصبحون مؤمنين لو استطاعوا فهم هذه الأمور أولاً. ولكن الموضوع
ليس كذلك. إن كل ما عليك عمله هو أن تنغمس وتتمتّع بالنِّعَم والبركات وأن
تعبد مانِحها. هللويا! لتدع الله يعمل بقلبك بطريقته، ولتدع القلق في فهم كل
شيء لغيرك.
إن فيلبٍُّس؛ في كل تحليلِهِ وفهمِه؛ لم يقدر أن يتوصل للنتيجة الصحيحة. فباستخدامه
لتفكيره وتحليله العقلي، ابعد نفسه عن المشاركة بأعظم وأروع فُرَص حياته كلها.
لقد قدّم أعذاراً، أعذاراً، أعذار
إيمان أندراوس
غير الكافي
أما أندراوس فقد أحضر ولداً معه طعام. وهو متردداً. وكان لديه شرارة إيمان
صغيرة. لقد رأى يسوع يقوم بعمل معجزات، ولكن كان لديه القليل من الإيمان، فأحضر
هذا الغلام وقال" هنا غلام ومعه طعام ولكن ما نفع هذا القليل أمام هذا
العدد الكبير؟"
إن هذا النوع من الفلسفة يقتل الكثير من الناس. أشياء عظيمة قد تحدث في هذا
العالم لو أننا لا نتراجع في أحياناً عديدة أو ندفن أنفسنا في أمور مثل"
من أنا لأقف أمام هذا الأمر الكبير؟" أو "أتستطيع هذه الكنيسة أن
تتحدّى هذه المسألة ؟" إن ما أريد أن أقوله لكم هو أنه عندما يلمسنا الله،
نستطيع الإرتقاء فوق أي تحدي يُعطينا إياه. إننا نستطيع بنعمته أن نقوم بإنجاز
أي نوع من الأعمال يريدنا أن نقوم بها.
وبعد أن كان يسوع يُعَلِّم التلاميذ ويعطيهم تعليمات، أصبحوا هم يُعطونه تعليمات
وأعذار عندما قال لهم:" أعطوهم أنتمُ شيئاً يأكلوا". لقد أخذوا يقدمون
له أعذاراً عن عدم وجود ما يكفي لإشباعهم، ويقدمون له التعليمات بأن يصرف الجموع.
ولكن عندما عاد يسوع لتقديم التعليمات وأخذوا يطيعونه ويستجيبون لتعليماته:
حدثت معجزة.
يسوع والخبز
والسمك
بعد ذلك أخذ الخبز والسمك وقام بعمل ثلاث أشياء: أولاً، بارك الطعام. أخذ الطعام
بيديه وباركه. إن العديد من الناس يقدرون على تحقيق أُموراً عظيمة لله لو أنهم
فقط يضعون أنفسهم بين يدي يسوع المسيح ويدعونه يباركهم.
مادمنا نضع أنفسنا على بُعدٍ عنه وعن إرادته الإلهية ولسنا بين يديه كليةً،
فلن يقدر أن يباركنا ولن نقدر أن نفعل الكثير. ولكن، عندما نقدم أنفسنا له
تماماً، وندعه يباركنا، فآهٍ، ما أعظم هذه البركات. إن المشكلة في العديد من
الناس في الكنائس اليوم
هو أنهم يريدون من الله أن يباركهم ولكنهم خائفون من الخطوة التالية بعد ذلك.
بعد أن بارك يسوع الطعام كسره. أُناسٍ كثيرين قد يكونون ذي فائدة كبيرة ويستحقون
ملكوت الله لو أنهم يتباركون ويُكسرون.
وبعد ذلك أعطى هذا الخبز والسمك وأشبع الآلاف. وشبع الجميع واكتفوا. وزاد عنهم
الكثير، مما يؤكد لي أن يسوع يقدر أن يعطي حياة. لِنَقْتَبِسْ كلمات يوحنا
حين قال " يسوع يمنح حياة وحياة أكثر".
إن في كل معجزة يقوم بها يسوع قوة لا يحتاج حتى إلى استخدامها. في كل مرة يُخَلِّص
نفساً،يوجد نعمة كافية لتخليص الملايين. في كل مرة يشفي، يستخدم القليل من
بِرِّهِ وقوة نعمته. إن لديه مخازن طاقة؛ تجلب النعمة والشفاء؛ لم يستخدمها
بعد. إن هذا يُظهِر وفرة وغزارة نِعَم الله. إن الله يمتلك بركات غزيرة من
الفرح الذي لا يوصَف والمليء بالمجد. عندما نختبر بركاته نشعر كملكة سبأ حين
قالت " لم أُخَبَّر بالنصف بعد".
فِعْل الإيمان
عند الغلام الصغير
أعتقد أن هذا الغلام قد غادر وهو محمّل بسلال مليئة لأن الفائض عن الناس كان
إثنا عشر سلّة، ومن المؤكد أن هذا الولد قد نال حصته. أعتقد أن فيلبُّس كان
يُعاتب نفسه؛ وهو يشاهد الغلام ذاهباً وابتسامة واسعة على شفتيه؛ قائلاً "
قبل لحظات عَرَضَ عليّ المعلِّم هذه الفرصة وأنا رفضتها".
أُريد أن أقول لكم أنه عندما يعرض الرب عليكم فرصة لا ترفضوها أو تترددوا في
قبولها ظناً منكم أنها مستحيلة. بل قولوا " حسناً يا رب، إن كل ما أنا
وكل ما لديّ أعطيه لك وأضعه بين يديك. فباركني واكسرني وأعطِني واستخدمني كما
تشاء. أنا أقدّم لك نفسي".
إن هذا المشهد الرمزي يعرض قوة يسوع المسيح على إعطائنا وفرة غزيرة من خبز
الحياة. وفرة غزيرة من خبز الحياة السماوي.